ترخيص المجلس الأعلى للإعلام

رقم : ٢٠٢٢ / ٦٠

رئيس التحرير

إبراهيم عادل

رئيس التحرير التنفيذى

مصطفى صلاح

معلومات الوزراء: مصر حرصت على الاستثمار فى أنظمة نقل جماعية مستدامة

معلومات الوزراء: مصر حرصت على الاستثمار فى أنظمة نقل جماعية مستدامة

الأربعاء، 29 أبريل 2026 11:28 ص

 أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول دور النقل المستدام في الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، حيث استعرض حجم الانبعاثات الصادرة عن قطاع النقل، كما تناول الفوائد البيئية والاجتماعية والاقتصادية المحققة بالتحول نحو وسائل نقل مستدام، وأبرز التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالنقل المستدام عالميًّا، مع استعراض للتجربة المصرية في مجال النقل المستدام.

أوضح التحليل أن قطاع النقل يُسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي دولة؛ حيث يُساعد بشكل مباشر في حركة الأفراد، والبضائع، وتعزيز النشاط الاقتصادي. لكن على الجانب الآخر، يُشكل قطاع النقل أحد أكبر مصادر الانبعاثات الكربونية عالميًّا؛ إذ أشارت الأمم المتحدة إلى أن قطاع النقل يُسهم بنحو ربع الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة المرتبطة بالطاقة. ومن المتوقع أن تشهد هذه الانبعاثات زيادة كبيرة خلال السنوات المقبلة؛ مما يزيد من تأثيرات تغير المناخ وتدهور جودة الهواء، الأمر الذي ينعكس بدوره سلبًا على الصحة العامة والاقتصاد الوطني.

ويُعد قطاع النقل من أكثر القطاعات المنتجة للانبعاثات الدفيئة والمستهلكة للوقود الأحفوري؛ إذ ينتج نحو 23% من الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالطاقة عالميًّا. وتشير البيانات الدولية الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إلى مدى تباين إسهامات قطاعات النقل المختلفة في معدل الانبعاثات؛ ففي عام 2023 أسهمت السيارات والمركبات الخفيفة الخاصة بنحو 10% من إجمالي الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة. وفيما يتعلق بـالنقل البري الثقيل، ورغم أن الشاحنات، والحافلات تمثل أقل من 8% من إجمالي المركبات، إلا إنها مسؤولة عن أكثر من 35% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المباشرة للنقل البري. وفي سياق متصل، يُسهم قطاع النقل الجوي والبحري بنسبة ليست بقليلة في انبعاثات الغازات الدفيئة؛ إذ يُسهم النقل الجوي بنحو 10% من إجمالي الانبعاثات العالمية في قطاع النقل، بينما مثَّل قطاع النقل البحري نحو 2% من الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة في عام 2022.

وتُبرز مستويات الانبعاثات في قطاعات النقل المختلفة أهمية تبني سياسات متكاملة تستهدف خفض الانبعاثات وتحقيق الاستدامة، بما يدعم تحقيق أهداف الحياد الكربوني دون الإضرار بالدور الاقتصادي الحيوي لقطاع النقل، وفي هذا السياق، أصبح التحول نحو النقل المستدام عاملًا رئيسًا لتحقيق أهداف اتفاقية باريس لتغير المناخ، وتنفيذ خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 لذا، فالنقل المستدام يهدف إلى توفير خدمات نقل فعالة وآمنة، مع الحد من الآثار البيئية والاجتماعية، بما يُسهم في خفض الانبعاثات الكربونية، وتحقيق التنمية الشاملة.

أوضح التحليل أن الاعتراف الأول بالدور الحيوي للنقل في التنمية المستدامة جاء في قمة الأرض 1992؛ حيث أشارت المراجعات اللاحقة إلى أن النقل سيكون خلال العشرين عامًا القادمة القوة الدافعة الأساسية للطلب العالمي المتزايد على الطاقة، وفي مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في ريو 2012، تم التأكيد على أن النقل المستدام يُعزز النمو الاقتصادي، ويحقق تكامل الاقتصاد مع البيئة، ويُحسن العدالة الاجتماعية، والصحة العامة، ومرونة المدن. كما تم دمج النقل المستدام ضِمن أهداف خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030.

وفي هذا الصدد، قدَّم الفريق الاستشاري التابع للأمين العام للأمم المتحدة في تقرير 2016 تعريفًا للنقل المستدام بأنه "توفير خدمات وبنى تحتية لحركة الأفراد والبضائع بما يدفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية لصالح أجيال اليوم والغد، بطريقة آمنة، وميسورة التكلفة، وسهلة الوصول، وفعّالة ومرنة، مع الحد قدر الإمكان من انبعاثات الكربون وغيرها من الانبعاثات وآثارها البيئية".

أشار التحليل إلى أن التحول نحو النقل المستدام يحقق العديد من الفوائد البيئية والاجتماعية والاقتصادية أبرزها:

- الفوائد البيئية: وذلك على مستوى التخفيف من آثار تغير المناخ عبر تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، وتعزيز صمود البيئة أمام الأحداث المناخية المتطرفة، إلى جانب تقليل تلوث الهواء، والحد من المواد الضارة العالقة في الهواء.

- الفوائد الاجتماعية: تحسين الصحة العامة عبر إسهامه في تقليل تلوث الهواء، وتحسين جودته؛ إذ أسهم تلوث الهواء في نحو 7.9 ملايين حالة وفاة مبكرة في عام 2023. كما أن اللجوء لخيارات التنقل المستدامة كالمشي وركوب الدراجات سيُحسِّن من الصحة العامة، فضلًا عن الحد من تلوث الهواء.

- الفوائد الاقتصادية: الحد من واردات النفط بما يُعزز أمن الطاقة، ويقلل تقلبات الأسعار، وأزمات سلاسل التوريد؛ مما يسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، فضلًا عن خلق فرص عمل مستدامة لا سيما في صناعات النقل المستدامة.

استعرض التحليل أبرز التجارب الدولية الرائدة في مجال النقل المستدام، ومن هذه التجارب:

- التجربة الهولندية: حيث تُعتبر هولندا من الدول الرائدة في مجال النقل المستدام؛ إذ تبنَّت نهجًا متكاملًا للتحول المستدام من خلال: 1- القطارات الكهربائية، فجميع قطارات الركاب الكهربائية في هولندا تعمل منذ عام 2017 بالطاقة الخضراء. 2- الحافلات ذات الانبعاثات الصفرية (الكهربائية)؛ حيث التزمت هولندا بضمان أن جميع الحافلات الجديدة تستخدم 100% طاقة متجددة اعتبارًا من عام 2025، مع هدف أن تصبح بحلول عام 2030 جميع الحافلات صفرية الانبعاثات. 3- بنية تحتية لركوب الدراجات؛ إذ تشتهر هولندا بمسارات ركوب الدراجات الواسعة؛ مما يعزز ركوب الدراجات كوسيلة نقل رئيسة. ويُذكر أن هولندا تعتمد بشكل كبير على الحافلات الكهربائية؛ إذ نشرت مناطق مثل (Groningen-Drenthe) أكثر من 160 حافلة كهربائية.

- تجربة لوكسمبورج: حيث وضعت لوكسمبورج استراتيجية منظمة من خلال إتاحة جميع وسائل النقل العامة لتقليل عدد المركبات المملوكة للأشخاص الآخرين، وبالتالي الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، وذلك من خلال:1- إتاحة النقل العام مجانًا: فمنذ عام 2020، قدمت لوكسمبورج خدمات النقل العام المجانية لجميع القطارات، والحافلات، والترام، لتشجيع استخدام النقل العام بدلًا من السيارات الخاصة. 2- والبنية التحتية للتنقل الأخضر: حيث تعمل الحكومة جديًّا لتطوير البنية التحتية لراكبي الدراجات، وتوسيع نقاط شحن للمركبات الكهربائية، وتحسين وسائل النقل العام من حيث سهولة الوصول، ودقة مواعيد الرحلات.

- التجربة السنغالية (نظام النقل السريع بالحافلات الكهربائية في داكار): يُعتبر النظام الجديد للنقل السريع بالحافلات في داكار نموذجًا رائدًا في أفريقيا للتحول نحو النقل الحضري المستدام والخالي من الانبعاثات؛ إذ يضم نحو 144 حافلة كهربائية تعمل بالطاقة الشمسية المتجددة. هذا التحول يعكس توجه المدينة نحو تقنين النقل غير الرسمي وإشراك القطاع الخاص في تجديد الأساطيل، بما يضمن تحسين جودة الخدمة وتوفير بدائل آمنة ويعزز المشروع العدالة الاجتماعية عبر خصم 50% للفئات محدودة الدخل، وتخصيص 35% من الوظائف للنساء، بما يُسهم في خفض الانبعاثات وجعل داكار أول مدينة إفريقية تعتمد نظامًا متكاملًا للحافلات الكهربائية المستدامة.

أوضح التحليل أنه طبقًا للأمم المتحدة، يواجه التحول إلى النقل المستدام مجموعة متشابكة من التحديات الهيكلية والتمويلية والتنظيمية، تتمثل في:

- ارتفاع التكاليف الأولية للمركبات الكهربائية، والبنية التحتية للشحن، وتحديث الموانئ والمطارات، ومن ثَمَّ فإن إعادة هيكلة نُظم النقل تُعَد تحديًا كبيرًا، لا سيما في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، رغم الجدوى الاقتصادية طويلة الأجل لهذه الاستثمارات، لكن هناك صعوبات في الحصول على التمويل، ورأس المال من جانب الحكومات والمشغلين لتنفيذ هذه الاستثمارات.

- محدودية جاهزية نُظم الطاقة؛ حيث يعتمد نجاح كهربة قطاع النقل على توافر إمدادات كهرباء مستقرة، وشبكات قادرة على استيعاب الطلب المتزايد.

- فجوات في السياسات والأطر التنظيمية؛ وذلك يتمثل في غياب استراتيجيات نقل متكاملة، وعدم اتساق السياسات بين قطاعات الطاقة، والنقل، والتخطيط الحضري، إذ يُعد ضعف التنسيق المؤسسي وغياب النهج الحكومي الشامل من أبرز العوائق أمام تحقيق تحول فعّال ومستدام.

- القيود المتعلقة بالتكنولوجيا والبيانات؛ فمحدودية الوصول إلى منصات التنقل الرقمية تبطئ نشر البنية التحتية الذكية.

- تحديات هيكلية؛ حيث تواجه نُظم النقل العام في كثير من المدن تجزؤ الخدمات، وانتشار النقل غير الرسمي الذي يعوض بعض الفجوات لكنه يعرقل التخطيط المتكامل.

أما قطاعات نقل البضائع، والشحن البحري، والطيران، فتواجه تحديات خاصة، من بينها تعقيد سلاسل الإمداد العابرة للحدود، وتجزؤ الشبكات، ونقص الوقود منخفض الكربون؛ ما يجعل هذه القطاعات من الأصعب خفضًا للانبعاثات.

- وأخيرًا، تحد القيود التكنولوجية والبيانية من وتيرة التحول؛ إذ يضعف نقص البيانات، والبنية الرقمية، وحلول النقل الذكي، إلى جانب محدودية تطبيقات الاقتصاد الدائري، وإدارة المخلفات، خاصةً فيما يتعلق بالبطاريات ومكونات السفن ومواد الطائرات، من فُرص تحقيق استدامة شاملة.

وعلى المستوي المحلي؛ أشار المركز إلى أن مصر حرصت خلال العقد الأخير على إحداث نقلة نوعية في قطاع النقل، من خلال الاستثمار في أنظمة نقل جماعية مستدامة، بما يعكس مدى التزام الدولة بتقليل الانبعاثات، وتخفيف الازدحام، وتحقيق العدالة الاجتماعية عبر توفير وسائل نقل آمنة، وفعّالة لكافة المواطنين؛ مما يضع مصر في موقع ريادي إقليمي نحو مستقبل أكثر استدامة.

ويمكن استعراض أبرز جهود مصر في مجال النقل المستدام فيما يلي:

- مشروع استدامة النقل في مصر، الذي أطلقته وزارة البيئة المصرية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومرفق البيئة العالمي (GEF) خلال الفترة ما بين 2009 - 2018؛ إذ يهدف المشروع إلى إنشاء 5 خطوط جديدة للأتوبيسات مرتفعة المستوى على أن يتم تشغيلها من جانب القطاع الخاص، وإنشاء مسارات للمشاة، والدراجات، والترويج لاستخدام الدراجات في المدن المتوسطة الحجم بداية بشبين الكوم والفيوم.

- مشروع إدارة تلوث الهواء وتغير المناخ في القاهرة الكبرى، والممول من البنك الدولي، وهو مشروع دشنته وزارة البيئة في يونيو 2021 ومن المستهدف انتهاؤه في ديسمبر 2026، وذلك من أجل تحسين نوعية الهواء من خلال الحد من الانبعاثات المختلفة من القطاعات الحيوية خاصةً قطاع النقل.

- مشروع السكك الحديدية الكهربائية عالية السرعة؛ فقد وقّعت الحكومة المصرية عقدًا مع اتحاد يضم سيمنز موبيليتي، وأوراسكوم للإنشاءات والمقاولات العربية؛ لتصميم وتشغيل وصيانة المشروع لمدة 15 عامًا. وهذه الشبكة ستربط نحو 60 مدينة، كما ستتيح وصولًا مباشرًا لنحو 90% من المصريين، لتشكل بذلك سادس أكبر شبكة سكك حديدية عالية السرعة في العالم.

- مشروع ممشى أهل مصر، الذي أطلقته الحكومة في 2022، يهدف إلى تعزيز المساحات المفتوحة على ضفاف نهر النيل.

- مشروع النقل السريع بالحافلات (BRT)، وهو مشروع يمثل خطوة استراتيجية لتحديث النقل الجماعي في القاهرة الكبرى، من خلال تشغيل حافلات كهربائية على مدار الساعة وتكامل مباشر مع المترو والقطارات. ويتم تنفيذ المشروع على 49 محطة على الطريق الدائري.

- مبادرة مشاركة الدراجات في مصر - تعبئة الشباب من خلال النقل الحضري المستدام، وتستهدف المبادرة إعادة إدماج الدراجات كوسيلة تنقل صديقة للبيئة، مع تطوير بنية تحتية داعمة. وقد حظيت المبادرة بدعم من برنامج المنح الصغيرة (SGP) التابع لمرفق البيئة العالمي (GEF)، بالإضافة إلى إشراف وزارة البيئة؛ بما يعزز دورها في خفض الانبعاثات وتحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030.

- مبادرة استبدال المركبات القديمة لتحل محلها سيارات تعمل بالغاز الطبيعي، والتي أطلقتها الحكومة المصرية في يناير 2020؛ إذ تمثل المبادرة خطوة استراتيجية لدعم النقل المستدام، من خلال خفض استهلاك الوقود والانبعاثات وتقليل أعباء الدعم. كما تُسهِم المبادرة في تحديث أسطول المركبات وتحقيق توازن بين الأهداف البيئية والاقتصادية والاجتماعية، بما يتسق مع رؤية مصر 2030 وتحسين جودة الحياة.

أكد التحليل في ختامه أن الانتقال إلى النقل المستدام ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حتمية للتخفيف من آثار تغير المناخ، وتحسين جودة الهواء، وصناعة مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة. ومن خلال المزج بين الابتكار التكنولوجي، والسياسات الحكومية الداعمة، والاستثمارات الاستراتيجية في البنية التحتية، يُمكِن تمهيد الطريق نحو نظام نقل يخدم الإنسان، ويحافظ على الكوكب في آن واحد. ولا شك أن اتخاذ إجراءات جادة، وتعزيز التعاون المستمر بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع، يمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق تقدم ملموس؛ فمستقبل الكوكب مرهون بقدرة المجتمعات على تبني مسار تنموي منخفض الكربون.