آخر الأخبار
الجمعة، 11 سبتمبر 2026 02:36 م
تستضيف العاصمة الهندية نيودلهي، اعتبارا من السبت، قمة تجمع قادة دول مجموعة "بريكس" في توقيت بالغ الحساسية، تتداخل فيه تداعيات الحروب في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية مع أزمات الطاقة والتجارة العالمية، وسط تباين واضح في مواقف أعضاء التكتل تجاه الملفات الدولية الأكثر سخونة.
وفي هذا السياق، وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بيزشكيان إلى الهند، الجمعة، للمشاركة في محادثات تسبق انطلاق القمة السنوية التي تجمع قادة التكتل المؤلف حاليا من 11 دولة، فيما من المنتظر أن يصل الرئيس الصيني شي جينبينج بالتزامن مع بدء الاجتماعات السبت.
وتكتسب مشاركة بوتين وبيزشكيان أهمية خاصة في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، والتي يتوقع أن تفرض نفسها على جدول أعمال القمة، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات المرتبطة بالتجارة العالمية وأسعار النفط، بما يجعل اجتماع بريكس اختبارا سياسيا واقتصاديا لقدرة التكتل على الحفاظ على تماسكه رغم اختلاف مصالح أعضائه.
بوتين في نيودلهي.. شراكة استراتيجية مع الهند
وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نيودلهي الجمعة، في زيارة هي الثانية له إلى الهند منذ زيارته الأخيرة في ديسمبر 2025، في ظل علاقات استراتيجية طويلة الأمد تجمع موسكو ونيودلهي.
وتعد روسيا أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للهند، كما ساهمت هذه الشراكة، جزئيا، في مساعدة نيودلهي على تجاوز أزمة الطاقة التي تفاقمت بفعل الحرب في الشرق الأوسط.
ورغم العقوبات الأمريكية المفروضة على موسكو، واصلت الهند استيراد النفط الروسي، في خطوة تقول الولايات المتحدة إنها توفر لموسكو عائدات تساعدها على تمويل الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي المقابل، تحاول نيودلهي الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية، إذ تجمعها شراكة استراتيجية مع روسيا، في الوقت الذي تحرص فيه على استمرار علاقاتها مع الولايات المتحدة وعدم الانخراط بصورة مباشرة في الاستقطاب بين موسكو وواشنطن.
وفي مؤشر على استمرار انفتاح الهند على مختلف الأطراف، زار وزير الخارجية الهندي سوبراهمانيام جايشانكار كييف في وقت سابق من سبتمبر، حيث أعرب الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي عن "امتنانه لموقف الهند الذي يدعو إلى إنهاء الحرب غير العادلة".
بيزشكيان يصل الهند للمرة الأولى منذ توليه الرئاسة
بالتزامن مع وصول بوتين، وصل الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان إلى العاصمة الهندية الجمعة، في أول زيارة له إلى البلاد منذ توليه منصبه.
وأظهرت قنوات تلفزيونية هندية وصول الرئيس الإيراني إلى نيودلهي، فيما أعلنت وزارة الخارجية الهندية أن رئيس الوزراء ناريندرا مودي سيستقبل بيزشكيان بعد ظهر الجمعة لإجراء محادثات ثنائية.
وتأتي زيارة الرئيس الإيراني في وقت تواجه فيه طهران تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، ما يجعل المحادثات مع القيادة الهندية ذات أهمية خاصة، خصوصا في ظل العلاقات الودية التي تربط نيودلهي بطهران، مقابل حرص الحكومة الهندية في الوقت نفسه على الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن.
شي جينبينج يعود إلى الهند بعد 6 سنوات
ومن المنتظر أن يصل الرئيس الصيني شي جينبينج إلى الهند بالتزامن مع انطلاق القمة السبت، في أول زيارة له إلى البلاد منذ عام 2019.
وتحمل زيارة شي أهمية تتجاوز المشاركة في قمة بريكس، إذ تمثل خطوة جديدة في مسار التقارب الحذر بين بكين ونيودلهي، بعد سنوات من التوتر والمواجهة العسكرية الدامية بين البلدين على طول الحدود المتنازع عليها في منطقة الهيمالايا.
وشهدت العلاقات بين البلدين تحسنا تدريجيا خلال الفترة الأخيرة، بعد اتفاقهما على استئناف الرحلات الجوية والاتصالات رفيعة المستوى، إلى جانب منح التأشيرات.
ورغم هذه المؤشرات، لا تزال العلاقات الصينية الهندية تواجه عقبات كبيرة، في مقدمتها استمرار الخلافات الحدودية، وارتفاع العجز التجاري، وتصاعد المنافسة الاستراتيجية بين أكبر قوتين آسيويتين مسلحتين نوويا.
وفي منشور باللغة السنسكريتية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رحب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بالقادة القادمين إلى بلاده، قائلا: "لا ينبغي للمرء أن يصادق أو يناظر إلا الأخيار، ولا ينبغي أن يكون له أي تعامل مع من هم من غير الأخيار".
ومن المتوقع أن تهيمن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط أواخر فبراير إثر الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، إلى جانب الحرب المستمرة في أوكرانيا، على جزء كبير من النقاشات خلال القمة السنوية التي تبدأ السبت وتستمر يومين.
كما تفرض تداعيات الصراعات نفسها على الملفات الاقتصادية، خصوصا اضطرابات التجارة العالمية وأسعار النفط، في ظل ارتباط أمن الطاقة العالمي بالتطورات العسكرية في الشرق الأوسط.
ويأتي ذلك في وقت توسعت فيه عضوية بريكس لتشمل دولا ذات مواقف متباينة تجاه الحرب في المنطقة، وهو ما يزيد صعوبة الوصول إلى مواقف مشتركة بشأن الملفات السياسية.
قمة تختبر تماسك بريكس
وتأسس منتدى "بريكس" عام 2009 ليجمع الاقتصادات الناشئة الكبرى، وهي البرازيل وروسيا والهند والصين، قبل أن تنضم جنوب إفريقيا لاحقا إلى المجموعة.
وتشكل التكتل في الأساس خارج إطار المؤسسات والتجمعات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والقوى الغربية، وفي مقدمتها مجموعة الدول السبع، قبل أن يتوسع لاحقا ليضم دولا مثل إيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
لكن التوسع الذي منح بريكس ثقلا اقتصاديا وسياسيا أكبر، وضع التكتل في الوقت نفسه أمام تحديات جديدة تتعلق بتباين المصالح والمواقف بين أعضائه.
وتتبنى دول بريكس مواقف مختلفة بدرجة كبيرة من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة في فبراير، ما يجعل الوصول إلى موقف موحد بشأن الأزمة أمرا بالغ الصعوبة.
وقال هارش في. بانت، من مركز الأبحاث "أوبزرفر ريسيرش فاونديشن" المقرب من الحكومة الهندية، لوكالة "فرانس برس" الفرنسية، إن النزاع في الشرق الأوسط سيكون "خط الصدع الرئيسي خلال القمة".
وأوضح بانت أن انضمام المزيد من الدول إلى بريكس كان يمثل إنجازا للتكتل في العام الماضي، لكنه تحول حاليا إلى "عائق كبير" بسبب اختلاف مواقف الدول الأعضاء الجديدة تجاه الأزمات الدولية.
ويرى شيلان شاه، من مركز الأبحاث "كابيتال إيكونوميكس"، أن الحرب ضد إيران تمثل اختبارا حقيقيا لتماسك المجموعة.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن عجز وزراء خارجية دول بريكس عن إصدار بيان مشترك في مايو الماضي يعكس صعوبة التوفيق بين المواقف المتباينة للدول الأعضاء تجاه أحداث الشرق الأوسط.
ويطرح هذا الانقسام تساؤلات بشأن قدرة بريكس على الانتقال من كونها تجمعا يضم مجموعة واسعة من الاقتصادات والدول ذات المصالح المشتركة جزئيا، إلى تكتل قادر على تبني مواقف سياسية موحدة تجاه الأزمات الكبرى.
وتجد الهند نفسها في قلب هذا الاختبار، باعتبارها الدولة المضيفة للقمة، وفي الوقت نفسه دولة تربطها علاقات ودية بإيران وروسيا، بينما تحرص على عدم الإضرار بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
وبذلك، لا تبدو قمة بريكس في نيودلهي مجرد اجتماع دوري لقادة اقتصادات صاعدة، بل اختبارا لقدرة التكتل على إدارة التناقضات داخله، في وقت تتقاطع فيه أزمات الحرب والطاقة والتجارة مع صعود المنافسة بين القوى الكبرى.
قد يعجبك ايضا